منصور جبر يكتب: بين رُقي آدم وبدائية هومو (2/2)


-الجزء الثاني والأخير-
ومنذ وجود البشر أو نزول آدم وزوجه إلى الأرض وهناك لباس وريش يستر أجسادهم وعوراتهم، فهم يعلمون أن هذه عورات ينبغي سترها وعدم كشفها، بل يعلمون أن أجمل ما يتصف به الإنسان هو التقوى وأن هذه الصفة هي الخير {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير}.
وأما أبناء آدم في الأرض فكانوا يتمتعون بقدر عظيم من الرقي والفهم والتعقل الذي يستحيل معه أن يكونوا جهلة بالصورة التي تقدمها كتب علماء تاريخ الإنسان القديم.
فهناك إيمان بوجود رب تبارك وتعالى، وهناك قرابين وقُرُبات تُقدم له، وأنه تختلف نواياهم واجتهاداتهم في طاعة هذا الخالق {إذ قربا قُربانا فتُقُبل من أحدهما ولم يُتَقبل من الآخر}.
وأنه هناك قتل، فلديهم مشاعر الغضب، وغريزة الانتقام، ويعلمون أن هناك طريقة تزهق فيها الروح، ولا يكون ذلك إلا من خلال رؤيتهم للقتل من قبل {قال لأقتلنك}.
ولدى أبناء آدم أيضا علم بأن هذا الرب هو الله، ويعلمون باسمه (الله) وأن هناك صفة اسمها التقوى، وأن هذه الصفة هي التي بسببها يتقبل الله العمل، {قال إنما يتقبل الله من المتقين}.
ويعلمون بأن هذه اسمها يد، وأنها هي أداة القتل، {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك}.
وكان هناك خوف من الله، وإيمان بأنه رب وخالق العالَمين، ومعلوم أن العالمين كلمة واسعة تعني عوالم كل شيء والله أعلم. فهذا الإنسان منذ نزوله الأرض وهو يعلم أن هناك رب، وأنه الله، وأنه رب العالمين فهو رب كل المخلوقات، وأنه تُقدم له القربات، ويتم انتقاء أفضل القربات له، ولديهم قدرة على التمييز بين تفضيل أنواع القرابين، وأن التقوى هي معيار قبول تلك القُربات، وأن هناك قتل، وأن هذا الرب الخالق رب العالمين هناك من يخاف منه.
وأن الذي يقتل يبوء بإثمه وإثم قاتله، فهم يعلمون أن هذا إثم، وأن هناك نار يوم القيامة، وأن هناك صنف من الناس اختصهم الله بدخول النار بسبب آثامهم التي منها القتل {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار}. وأن القتل بلا حق ظُلم، وأن الذي يظلم ويتخذ هذا المسلك سيكون جزاؤه النار {وذلك جزاء الظالمين}.
وأنه تَعَلَّمَ منذ ذلك الزمن كيف يدفن الميت، وأن الذي قتله هو أخوه من أبيه آدم، ويعاتب نفسه بألفاظ الندم وعبارات التوبيخ {قال يا وليتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين}.
في هذه الإطلالة السريعة أردت أن أقف مع التصوير القرآني لأدم وأول ذريته كما قدمهم القرآن الكريم، فهم أصحاب علم وفهم ومشاعر وفكر وطموح وعقل وفهم ومعرفة بعورات الأجساد وأنها سوآت وأنه ينبغي سترها، ولديهم ضمير وحوار وإقناع وإيمان بالله وبصفاته وألوهيته وربوبيته وأنه رب العالمين فهناك عوالم أخرى غيرنا خلقها هذا الرب سبحانه، وأنه هناك يوم يجتمع فيه الناس، وأن الله أعد للظالمين فيه النار.. وغير ذلك.
فشخصية آدم وزوجه عليهما السلام الحضارية وذريته الذين قتل أحدهما الآخر، وما دار من حوار في الجنة وفي الأرض لا تتفق أبدا مع ما يقدمه علماء المستحاثات من أن الإنسان كان قردا أو تفرع من القردة العليا، من أجناس قديمة، أو أنه كان جاهلا البتة ومستوحشا لا يعقل شيئا ثم تعلم بالتدرج وصار إنسانا عاقلا.
فإما أن يكون الجنس الذي يتحدثون عنه ويجزمون به ويقدموه لنا عبر اللقى والمستحاثات وما يصنفونه بأنه بشرانيات وجنس الإنسان الهومو والإنسان البدائي والنياندرتال وما تفرع من أجناس قديمة كانت مخلوقات قبل آدم عليه السلام، وأن آدم وذريته هم الجنس الذي اختصه الله بالتكليف والرقي والحوار والعقل والتكريم والتحضر، أو أن نظرياتهم كلها ليست صحيحة... والله أعلم