خط أحمر
الجمعة، 4 أبريل 2025 02:29 مـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدرةأميرة عبيد

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدرةأميرة عبيد

مقالات

منصور جبر يكتب: بين رُقي آدم وبدائية هومو (2/1)

خط أحمر


-الجزء الأول-

ينتابني شعور غريب عندما أفكر في آدم عليه السلام، وأسرح في التأمل بين ما أقرأه في كتاب الله عنه، وما أجده في كتابات المؤرخين وعلماء الأرض.

يقولون أن أول وجود للبشر كان فيه الناس جهلة، لا يعقلون، مثل البهائم تماما، ثم تعلموا بالتدرج مع مرور الأحقاب والأزمنة.

ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، سنجد أن الله سبحانه قدم لنا صورة آدم عليه السلام بطريقته الحضارية الراقية، فهو صاحب علم، ومشاعر، وفكر، وطموح، ورُقي، وإيمان، وتخطيط... وغيرها من الأوصاف.

وصفه بأنه سيكون خليفة، {إني جاعل في الأرض خليفة}، وهذا يعني أن هذا المخلوق فيه مؤهلات استخلاف الأرض من الرقي والفكر والنضج والعلم والقُدرة منذ خَلقه، ولم تُشِر الآية إلى أنه ستكون هناك فترة زمنية طويلة لتهيئة هذا الخليفة، فهو قبل خلقه مهيأ ليكون خليفة الله في الأرض.

وكانت الأرض مسرحا للحياة قبل آدم، ففيها إفساد وقتل وظلم، قال سبحانه: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}.

ولما استتم خلق آدم عليه السلام، أمر الله ملائكته بالسجود لهذا المخلوق العظيم الذي سيكون له شأن، فهو يفوقهم مكانة، ويتقدمهم في الفضل، بما منحه الله من مزايا تخصه، وآدم عليه السلام يُدرك هذا الفضل والتكريم، وتلك المكانة التي ميزه الله بها عن الملائكة، ولا بد أن يكون قد رآهم أثناء سجودهم له والله أعلم.

ومنذ ذلك كان هناك استكبار وتعالٍ وكُفر {إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}، {أستكبرت أم كنت من العالين}.

وكان هناك مقارنات وتفاضل وخيرية {قال أنا خير منه}، وكما قالت الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}.

وقذف الله في آدم علم الأسماء، {وعلم آدم الأسماء كلها}، وكان آنذاك الصدق والكذب موجودان، فقال {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}، فمنذ خلق آدم وهو محاط بجو من الرقي والتحضر.

واستمع آدم إلى كلام ربه {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم}، فهو عاقل مكلف يعرف أن هذا ربه، وأن هؤلاء هم الملائكة، فاستجاب لأمر ربه، وأخبر الملائكة بتلك الأسماء التي يعرفها ولا يعرفونها {فلما أنبأهم بأسمائهم}، وهي أسماء كثيرة، وليست اسما واحدا، ولك أن تبحث في أقوال كل علماء التفاسير عن هذه الأسماء. فآدم عليه السلام علمه الله تلك الأسماء، فحفظها، ولما أمره بإخبار الملائكة بها، أخبرهم. إنه حوار يدل على وعي وعقل ونضج، وهذا يستحيل تماما مع ما يصوره العلماء الذي يدرسون أصل البشرية بأن هناك سلف مشترك بين البشر والقرود، أو أن الإنسان الأول كان مثل البهيمة تماما لا يعقل شيئا، ولا يتحدث، ولا يفهم، فهذا أبو البشر يعلم أسماء كل شيء، ويتحدث مع الملائكة، ويخبرهم بأسمائهم، فهو ينطق ولديه بيان وتفصيل، ولديه القدرة على الإيضاح للآخرين.

ويستجيب لإكرام الله له بأن يسكن في الجنة هو وزوجه، ويأكلان منها من كل شيء رغدا، ويعيان تماما أن الله نهاهما عن الأكل من شجرة معينة، وأن اسمها شجرة، وأنها تختلف عن الأشجار الأخرى، وأن الأكل منها ظلم، ليس على آدم فقط بل على زوجته أيضا، فالتكليف للاثنين، {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين}، إنه وعي مكتمل، وتكليف لعاقل يُحسن التصرف، ويستطيع أن يكون بقدر تلك المسؤولية وتحملها، ويستوعب التحذير والزجر والمنع.

واستوعب آدم عليه السلام تحذير الله له من الشيطان {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}، فمنذ ذلك علم أن هناك عدو وهو الشيطان الرجيم، وأنه عدو لزوجه أيضا، وأن هذا العدو يسعى ليخرجهم من الجنة التي بها نعيم، وأن مغبة ذلك أن آدم سيعاني من الشقاء.

واستمع آدم لخطاب خالقه بأن هذه الجنة إن استمريت فيها ولم تستجب لهذا العدو فإن لك فيها أن لا تشعر بالجوع، ولا تَعرى فتظهر عورتك، وأنك لن تشعر فيها بالعطش والضمأ، ولن تعاني من شدة الشمس والحر، {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}. فآدم عليه السلام منذ ذلك يعرف الجوع والظمأ والعُري والحر.

ومنذ الوهلة الأولى كان له عدو يوسوس له ويقوده للضلال والغواية وهو إبليس، فهو يعلم عدوه منذ أن تسبب في إغوائه، ويعلم أنه عدو له.

ويعلم آدم كذلك أن هناك خلود، فهو يطمح للبقاء في النعيم، {إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}، فآدم يعرف الملائكة وما يميزهم عن جنس البشر، ويعرف معنى الخلود والبقاء الذي هو ضد التلاشي والانتهاء والفقدان والموت. وعلم أن هناك مُلك لا يَبلى {هل أدلك على شجرة الخُلد ومُلك لا يَبلى} وأن المُلك يعني السيطرة والحكم والتحكُّم والاستمتاع بالنعيم والملاذ دون منغصات، وأن هذا الملك الذي وعده به أبليس ليس ملك فقط، بل ملك لا يبلى.

ولدى آدم وزوجته قدرة على الاقتناع والتفكير والتسليم والتصديق والرفض إن أرادا {وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين}، فهما يعرفان القسم، ويعرفان ما معنى النصيحة التي يراد بها الخير.

ويُدركان أن هناك عورة ينبغي سترها ولا يليق إظهارها {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}، ويخططان لستر هذه العورة من خلال استخدام أوراق الجنة لتغطيتها، فهو اختيار أمثل بأسرع وسيلة وأفضل شيء يحقق الهدف من ستر العورة وهو أوراق الأشجار، بل تنظيمها وخصفها ونسجها لتكون ملائمة لستر العورة، مخلوقان فيهما مقومات الحضارة والرقي والأناقة المبكرة.

ويستوعبان العتاب ومغبة مخالفة الأوامر والنواهي {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين}. فهما يعلمان أن الشيطان لهما عدو، وأنه مبين أيضا، فهو عدو واضح ومعروف لهما.

وأن آدم عليه السلام منذ أن خلقه الله يتذكر ولديه حاسة التذكر التي قد يعتريها النسيان، فقد تعلم الأسماء كلها، وأخبر بها الملائكة، وأيضا نسي نهي الله له بعدم الأكل من تلك الشجرة، {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما}، فهو منذ الخَلق لديه قدرة على التذكر الذي قد يعتريه النسيان، ولديه قدرة على أن يكون صاحب عزم.

وكان من صفات آدم وزوجه الإذعان واليقين التام بربوبية الخالق، وإلى ذلك القدرة على التفكير والاعتراف والندم والتوبة {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}، فهما يعلمان أن الذي وقعا فيه ظلم للنفس، فلديهم قدرة على محاسبة النفس واتهامها بالخطأ، ويعلمان أن الله من صفاته سبحانه المغفرة والرحمة، وأن هناك صنفا من البشر يخالفون أمر الله بظلم أنفسهم ويكونون خاسرين، فاستجارا بالله أن يكونا منهم، لذا طلبا مغفرته ورحمته.
(تابع الجزء الثاني)

منصور جبر بين رُقي آدم وبدائية هومو خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة