الدكتور أحمد عبود يكتب: الحوار الوطني.. عندما يذهب المسؤول إلى المواطن


لا يمكن لأي دولة تسعى إلى التنمية والاستقرار أن تنجح دون وجود قنوات حقيقية للتواصل بين المواطن والمسؤول. فالحوار الوطني ليس مجرد جلسات تُعقد في قاعات مغلقة، ولا يقتصر على مناقشة القضايا العامة على المستوى المركزي، بل هو منهج عمل يقوم على الاستماع للمواطن في مكان إقامته، ومعرفة احتياجاته، وتحويل مطالبه إلى خطط تنفيذية قابلة للتطبيق.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول الكبرى لم تصل إلى ما هي عليه اليوم بالاعتماد على الإمكانات الاقتصادية فقط، وإنما لأنها جعلت المواطن شريكًا في صناعة القرار. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تعقد لقاءات مفتوحة بين المسؤولين والمواطنين في العديد من المناطق لمناقشة القضايا المحلية، وفي ألمانيا تعتمد البلديات على اجتماعات دورية مع السكان لمعرفة احتياجاتهم قبل وضع خطط التنمية، بينما تشتهر اليابان بقوة التواصل بين الإدارات المحلية والمجتمع، وهو ما ساهم في رفع كفاءة الخدمات العامة وسرعة الاستجابة للمشكلات. هذه النماذج تؤكد أن الاستماع إلى المواطن ليس رفاهية، بل أحد أهم أدوات الإدارة الحديثة.
وفي مصر، قدمت الدولة نموذجًا مهمًا عندما حرص السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على عقد لقاءات ومنتديات مع الشباب، استمع خلالها إلى أفكارهم وتساؤلاتهم ومقترحاتهم، مؤكدًا أهمية الحوار المباشر باعتباره وسيلة لتعزيز الثقة والمشاركة. وقد عكست هذه اللقاءات اهتمام القيادة السياسية بفتح قنوات للتواصل مع مختلف فئات المجتمع، وهو نهج يستحق أن يمتد إلى جميع مستويات الإدارة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تتبنى الأجهزة التنفيذية في المحافظات والمراكز والمدن النهج نفسه، من خلال تنظيم لقاءات جماهيرية دورية داخل مراكز الشباب أو القاعات العامة، بحضور السادة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والقيادات التنفيذية، ورجال الأعمال، وممثلي المجتمع المدني. فلا يعقل أن تكون القيادة السياسية حريصة على التواصل المباشر مع المواطنين، بينما يغيب هذا الأسلوب عن كثير من الجهات التنفيذية التي تتعامل يوميًا مع احتياجات الناس ومشكلاتهم.
إن هذه اللقاءات يجب ألا تكون مناسبات بروتوكولية، بل جلسات عمل حقيقية يتم خلالها عرض مشكلات كل منطقة، سواء كانت تتعلق بالطرق أو مياه الشرب أو الصرف الصحي أو الصحة أو التعليم أو الاستثمار أو فرص العمل، مع وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الحلول، وإعلان ما تم إنجازه في اللقاءات التالية، بما يعزز الشفافية ويزيد من ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
كما أن وجود رجال الأعمال في هذه اللقاءات يمثل فرصة كبيرة لتعزيز المسؤولية المجتمعية، من خلال المشاركة في دعم المشروعات الخدمية، وتوفير فرص عمل للشباب، والمساهمة في تطوير المدارس والوحدات الصحية ومراكز الشباب، في حين يؤدي النواب دورهم في نقل مطالب المواطنين ومتابعة تنفيذها مع الجهات المختصة.
إن المسؤول الناجح لا يُقاس فقط بعدد المشروعات التي ينفذها، وإنما أيضًا بمدى قربه من المواطنين، وقدرته على الاستماع إليهم وفهم احتياجاتهم. فكم من مشكلة استمرت سنوات بسبب غياب التواصل، وكم من أزمة كان يمكن حلها في وقت قصير لو جلس المسؤول مع المواطنين واستمع إليهم مباشرة.
إن الجمهورية الجديدة التي تبنيها مصر تحتاج إلى ترسيخ ثقافة الحوار على جميع المستويات، بحيث تصبح كل محافظة، وكل مركز، وكل قرية، نموذجًا مصغرًا للحوار الوطني، يجلس فيه المواطن مع المسؤول والنائب ورجل الأعمال على طاولة واحدة، بهدف واحد هو خدمة الوطن وتحسين جودة حياة المواطنين.
إن الحوار الوطني الحقيقي لا يبدأ من القاعات المغلقة، وإنما يبدأ من الشارع، ومن مراكز الشباب، ومن القرى والنجوع، حيث يعيش المواطن وتوجد احتياجاته الحقيقية. وعندما يصبح الاستماع إلى الناس أسلوبًا ثابتًا في عمل الأجهزة التنفيذية، سنكون قد خطونا خطوة كبيرة نحو إدارة أكثر كفاءة، وتنمية أكثر عدالة، ووطن يشعر فيه كل مواطن أن صوته مسموع، وأنه شريك حقيقي في صناعة مستقبل مصر.



























